أحمد بن محمد المقري التلمساني

53

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وقطع دابر الكافرين ، فأمرنا بنصب تلك الرؤوس بمسوّر الغدر الذي فرعته ، وجعلناه علما على عاتق العمل السيئ الذي اخترعته ، وشرعنا في معالجة العلم ، وأفضنا على العباد والبلاد حكم السلم ، فاجتمع الشمل كأحسن أحواله ، وسكن هذا الوطن بعد زلزاله ، وأفاق من أهواله . ولعلمنا بفضلكم الذي قضاياه شائعة ، ومقدّماته ذائعة ، أخبرناكم به على اختصار ، واجتزاء واقتصار ، ليسر دينكم المتين بتماسك هذا الثغر الأقصى بعد استرساله ، وإشرافه على سوء مآله ، وكنّا نخاطب محلّ أخينا السلطان الجليل المعظّم الأسعد الأوحد الخليفة أمير المؤمنين أبي إسحاق ابن الخليفة أمير المؤمنين المعظّم المقدّس أبي يحيى بن أبي بكر ابن الأئمة المهتدين والخلفاء الراشدين - وصل اللّه تعالى أسباب سعده ! وحرس أكناف « 1 » مجده ! - لولا أننا تعرفنا كونه في هذه المدة مقيما بغير تلك الحضرة التونسية ، فاجتزأنا بمخاطبة جهتكم السنيّة ، وبين سلفنا وسلفكم من الودّ الراسخ البنيان ، والكريم الأثر والعيان ، ما يدعو إلى أن يكون سبب المخاطبة موصولا ، وآخرة الودّ خيرا من الأولى ، لكن الطريق جمّ العوائق « 2 » ، والبحر مفروق البوائق « 3 » ، وقبول العذر بشواغل القطر بالفضل لائق ، ومرادنا أن يتّصل الودّ ، ويتجدّد العهد ، واللّه عزّ وجلّ يتولّى أمور المسلمين بمتوارد إحسانه ! ويجمع قلوبهم حيث كانوا على طاعة اللّه تعالى ورضوانه ! وهو سبحانه يطيل سعادتكم ، ويحرس مجادتكم ، وينجج إدارتكم ، ويسنّي إرادتكم ! والسلام الكريم يخصّكم ، ورحمه اللّه تعالى وبركاته » . [ خطبة له يبشر فيها بالفتح ] ومن نثره رحمه اللّه تعالى قوله : « أيها « 4 » الناس ، ضاعف اللّه تعالى بمزيد النعم سروركم ! وتكفل بلطفه الخفي في مثل هذا القطر الغريب أموركم ! أبشّركم بما كتب به سلطانكم السعيد إليكم ، المترادفة بيمنه وسعادته نعم اللّه تعالى عليكم ! أمتع اللّه تعالى الإسلام ببقائه ! وأيّده على أعدائه ! ونصره في أرضه بملائكة سمائه ! وأنّ اللّه تعالى فتح له الفتح المبين ، وأعزّ بحركة جهاده الدين ، وبيّض وجوه المؤمنين ، وأظفره بإطريرة البلد الذي فجع المسلمين بأسرهم فجيعة تثير الحميّة ، وتحرّك النفس « 5 » الأبيّة ، فانتقم اللّه تعالى منهم على يده ، وبلّغه من استئصالهم غاية مقصده ، فصدق من اللّه تعالى لأوليائه ، وعلى أعدائه ، الوعد والوعيد ، وحكم بإبادتهم المبدىء المعيد وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ سورة

--> ( 1 ) الأكناف : جمع كنف ، وهو الجانب والناحية . ( 2 ) جم العوائق : كثير العقبات . ( 3 ) البوائق : المهلكات ، ومفردها : بائقة قياسا ، والشائع : موبقة . ( 4 ) في ب « يا أيها الناس » . ( 5 ) في ب « وتحرك الأنفس » .